تقارير وتحقيقات

” البريد المصري ” يحاكي تاريخ مصر القديم والحديث

” البريد المصري ” يحاكي تاريخ مصر القديم والحديث

متابعة – علاء حمدي
إختلف المؤرخون في تفسير كلمة “بريد”و انقسمت آرائهم حول أصل الكلمة إلى ثلاثة إحتمالات :
1- الأصل الفارسي : حيث إعتمدوا أنها مأخوذة من كلمة( بريد دم ) الفارسية و معناها ( مقصوص الذنب ) لأنه كان من عادة الفرس أن يقصرا أذناب الخيل و البغال التى ينقلون عليها البريد تمييزا لها عن غيرها ..
2- الأصل اللاتيني : حيث يعتقدون أن كلمة ( بوستة ) المستعملة فى اللغة العربية الدارجة فإنها مأخوذة من الأصل اللاتينى postita station و معناها محطات البريد التى كان الرومان يقيمونها بين كل مسافة و أخرى ..
3- الأصل العربي : يرى هؤلاء و هم الأغلبية أن كلمة بريد مشتقة من كلمة “برد” أو “أبرَد” بمعنى أرسل ، والاسم منها “بريد” فيقال أبرد بريداً أى أرسل رسولاً، و يقال أيضا أنه فى اللغة العربية( البريد ) كلمة عربية الأصل مشتقة من ( البردى ) أى العباءة فقد كان الرسل الذين يحملون الرسائل من بلد لآخر يلبس كل منهم بردة حمراء للدلالة عليه
..
عرفت مصر البريد منذ عهد الفراعنة ، حيث قاموا بتنظيم نقل البريد خارجيًا و داخليًا ، وكانوا يستخدمون سعاة يسيرون على الأقدام يتبعون ضفتي النيل في ذهابهم و إيابهم في داخل البلاد ، ويسلكون إلى الخارج الطرق التي تسلكها القوافل و الجيوش ، و أول وثيقة جاء بها ذكر ( البريد )
يرجع تاريخها إلى عهد الأسرة الثانية عشر (حوالى2000ق.م.) و هو وصية كاتب لوالده يطلعه فيها على أهمية صناعة الكتابة و المستقبل المجيد الذى ينتظره فى وظائف الحكومة ، و قال فى رسالته : ”أما ساعى البريد فإنه يحمل أثقالا فادحة و يكتب وصيته قبل أن ينطلق فى مهمته توقعا لما قد يصيبه من الوحوش و الآسيويين”
و في عهد البطالمة انقسم البريد إلى قسمين : البريد السريع لنقل بريد الملك و وزيره و موظفي الدولة و كان يستخدم في نقله الجياد السريعة ، و البريد البطيء لنقل البريد بين الموظفين في داخل البلاد ..
أما في في العصر الحديث فلم يكن للبريد في مصر وجود بالمعنى الصحيح قبل ظهور محمد علي باشا الذي لاحظ عند قيامه بوضع الأسس و النظم الحديثة في جميع فروع الدولة وجود خلل في الاتصال بين مختلف المؤسسات الحكومية بعضها ببعض ، و من هنا نشأت فكرة البريد الحكومي للاتصال بين الجهاز الإداري المركزي الموجود وقتئذ بالقلعة في القاهرة و جميع الجهات في الصعيد و الوجه البحري ، و أصبح ذلك نواة نظام البريد الحكومي في مصر ..
و عندما وصل الخديوي إسماعيل إلى سدة الحكم كان طموحه كبيًرا لتحديث مصر و جعلها قطعة من أوروبا ، فعمل على إدخال النظم الأوروبية إلى جميع مرافق الدولة ، و نظرا لأن المواصلات البريدية كانت من أهم وسائل تقدم الشئون التجارية و الاجتماعية ، فقد اهتم إسماعيل بالبريد اهتماما ملحوظا ، و أدرك الخديوي إسماعيل أهمية تمصير مرفق البريد حيث قام في عام 1865 بدمج البريد الحكومي و البريد الأفرنجي الذي كان يمتلكه الاجانب فيما عرف باسم “البوسطة الخدوية”..
وفي عام 1865 صدر الأمر بتكليف موتسي بك رئيس مصلحة البريد بالسفر إلى أوروبا للتوصية على طبع طوابع البريد لإستعمالها في التخليص على المراسلات أسوة بما يحدث في أوروبا ، وقد اعتبرت هذه الطوابع كالعملة النقدية و كانت لها قيمة مقررة ، و قد سلمت تلك الطوابع إلى المالية فور وصولها إلى القاهرة لتحفظ بها تمهيداً لطرحها في الأسواق ، و قد بدأ إستخدام طوابع البريد لأول مرة في يناير سنة 1866، و عرفت هذه المجموعة بإسم “المجموعة الأولى” تميزاً لها عن عدة مجموعات لاحقة ، و قامت بطبع تلك المجموعة مطبعة أخوان بيلاسي بجنوا “إيطاليا” ، و عندما قاربت طوابع الطبعة الأولى على الانتهاء ، كلفت الحكومة المصرية مطبعة بناسون بالإسكندرية بطبع كمية جديدة ،
و قد جاء هذا الطابع يحمل صورة الأهرام و أمامه أبو الهول و على اليمين مسلة كليوباترا و على اليسار عامود السواري ، و بأعلاه و بأسفله كتابة باللغة التركية و في الركنين العلويين و السفليين كتابة باللغة الإيطالية ، و عندما استقال موتسى من إدارة مصلحة البريد فى عام 1876 عين الخديوي إسماعيل خلفا له المستر “كليار” الإنجليزي ، الذي أخذ ينشئ مكاتب جديدة حتى بلغ عددها مائتي مكتب و عشرة يعمل بها ثمانمائة و ثلاثون موظفًا ،
و جعل توزيع المراسلات يوميًا بين القاهرة و الإسكندرية و جميع الجهات المهمة بعد أن كان أسبوعيًا ، و في عام 1873 اشترى الخديوي إسماعيل أسهم شركة الملاحة البحرية بالبواخر “الشركة العزيزية”، وحولها إلى مصلحة حكومية عرفت باسم “وابورات البوستة الخديوية” فاتسع نطاق مصلحة البريد ، و هكذا توسعت خدمة البريد فأصبح للبريد المصري عدة مكاتب في استانبول و جدة و أزمير و غاليبولي و بيروت و قوله و سالونيك ..
ونظرًا لتعذر وصول البريد إلى الأماكن البعيدة عن خطوط السكك الحديدية ، أنشأ في أول مايو عام 1899 نظام الخطوط الطوافة ، فكان يتم تكليف شخص يسمى الطواف بتوصيل البريد إلى المناطق النائية سيرًا على الأقدام ،
و في أغسطس عام 1921 أنشئ أول بريد لنقل المراسلات العادية بالطائرات من القاهرة إلى بغداد ، و كانت تتولى نقله فرقة الطيران الملكية البريطانية ، و كان البريد الجوى يسافر من مدينة القاهرة مرة كل أسبوعين ، و في ديسمبر سنة 1926 حلت شركة الطرق الجوية الإمبراطورية محل فرقة الطيران الملكية البريطانية ..
ألحقت مصلحة البريد في أول أمرها بنظارة الأشغال ثم نقلت تبعيتها بعد ذلك لعدة نظارات ، وفي ديسمبر 1865 تم إلحاقها بديوان عام المالية ، و في عام 1919 صدر القانون رقم 7 بإنشاء وزارة المواصلات التي تشمل السكك الحديدية و التلغرافات و التليفونات و مصلحة البريد
و مصلحة المواني و الطرق و النقل الجوى ، و في عام 1931 صدر قانون شامل تناول جميع رسوم نقل البريد ، و قد تم في هذا العام نقل مقر إدارة البريد من الإسكندرية إلى القاهرة و استقرت بمبناها الحالي بميدان العتبة ، و في عام 1957 صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 710 بإنشاء هيئة البريد المصرية لكي تحل محل مصلحة البريد ..
اظهر المزيد

بنوك

كاتب صحقى وباحث سياسى فى الشئون الاقتصادية والسياسية وقضايا التعليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى