ثقافة. ابداعات

الشاعرة أحلام بناوي : ” تجديد الشكل الفني واللعب به في مضمار التغيير، هاجس الشعراء المولدين والمحدثين “.

الشاعرة أحلام بناوي : ” تجديد الشكل الفني واللعب به في مضمار التغيير، هاجس الشعراء المولدين والمحدثين “.

حاورها سامر منصور
شاعرة مميزة جسدت عنفوان المرأة السورية في العديد من قصائدها ولامست هموم الناس وأبقت في ذات الوقت بوحها الشعري في ألق الصورة الإبداعية المميزة وسحر البيان وظلت متمسكة بأصالة فن الشعر فترنمت بقصائدها على أشهر الأوزان الموسيقية للغة العربية كما كتبت شعراً باللهجة المحكية أيضاً .. إنها الشاعرة المتواضعة برغم ثقافتها العميقة ، والشامخة الواثقة شعراً وحضوراً.. إنها أحلام بناوي التي التقينا بها وسرَّنا أن يكون لنا معها الحوار الآتي ..
– ماذا تعني القصيدة للشاعرة أحلام؟ و ماهي القراءات الأكثر اسهاماً في تعميق ثقافتك واثراء إبداعكِ ، أهي الروايات أم الشعر أم التاريخ والفكر أم ماذا؟
أنا ابنة الماء والقصيدة تنبثق من روحي كما ينبثق نبع صغير من بطن التراب، لا أحب التكلف في القصيدة ولا أتعمّدها، أحببتُ الشعر وحاولته منذ كنت يافعة، ولا أدّعيه، لكني أخلص لما أحب فأكنّي نفسي به.
قراءاتي متنوعة ولا تقتصر على نوع معين من شعر أو فكر أو غيره، وبالتالي تأثّرت بجميع هذه القراءات حسب ما تركته هي ذاتها في نفسي من أثر وحسب ما حرّضت فكري على ابتكار قصيدة، فمثلاً عندما قرأت ارخميدس كتبت نثراً أقول: (وزن القلب المغمور بالحب يساوي حجم الحزن المزاح عنه)، وعندما قرأت في الرياضيات قلت شعرا: ( كأنّا توازت دروب هوانا * فمهما مضينا بها لا اجتماعا).
وحين درستُ القانون قلت: ( تَمَلّك حِصَّةً بِجِوَارِ قلبي * فَصَارِ إليه حقُّ الارتِفَاقِ )، وهكذا فإن القراءة بمجملها تثري ثقافة الشاعر وتنعكس إيجاباً على شعره، وكلما تنوعت القراءات كان الشاعر أكثر تنوعاً وفرادة.
– ماهي أهم عناصر القصيدة عبر العصور ، فكما نرى هناك عناصر تم الاستغناء عنها من قبل بعض الشعراء كالوزن الموسيقى ، وهناك عناصر تم التركيز عليها كـ”الانزياحات” و”الحكائية” على سبيل المثال ، كونك تكتبن شعر الأصالة القريب بأسلوب رشيق قريب من روح العصر، ما هو العنصر الفني الأهم والأبقى باعتقادكِ؟
بقي تجديد الشكل الفني واللعب به في مضمار التغيير، هاجس الشعراء المولدين والمحدثين، حيث ساد الظن بأن الشكل التقليدي للقصيدة العربية القديمة هو العائق أمام تجديد المضمون الشعري وتعميقه، وتوسيع رؤيته.
من وجهة نظري الخاصة التي قد تخطئ وقد تصيب فإن عناصر الشعر من عاطفة، وفكرة، وأسلوب، وخيال، ونظم وغيره.. هي أشبه بلعبة التركيب تجتمع كلها لتشكل لوحة متكاملة فإذا فقدت أحد هذه العناصر ستبدو اللوحة ناقصة أو مشوهة، لذلك لا بد من اجتماع هذه العناصر لاكتمال اللوحة، فمن كتب وزنا وأهمل الانزياح ستكون لوحته ناقصة والعكس صحيح، وما ينطبق على الشعر ينطبق على النص النثري وسائر الأنواع الأدبية الأخرى، فهي خيمة تحتاج إلى سبب ووتد و “عواميد وطناب, وشقاف، وربعة , وخدرة، ومعند” …إلخ، لتشكل خيمة.
– هل اللهجات المحكية واللغة العربية الفصيحة السليمة على سويَّةٍ واحدة؟ حتى نجد في مشاركاتكِ الشعرية حضوراً لِكلا القصيدتين ؟ وإن كانت اللغة العربية الفصيحة هي الأصل وهي الفضاء الأرحب والاكثر بياناً وعمقاً ، لماذا تُصرّين على استحضار الفرع إلى جانب الأصل ، أليس في ذلك انتقاص من جماليات القصيدة المحكية وأثرها عندما يتم إلقاؤها إلى جانب القصيدة الفصيحة؟
تبقى الفصحى هي سيدة اللغات ولا يضاهيها شيء، وأنا أميل إليها مع محبتي للمحكية، ولكن هناك حقيقة لا نستطيع التغاضي عنها وهي أن الشعر المحكي هو من التراث اللامادي لهذه المنطقة وبالتالي من واجبنا الحفاظ عليه، وهو أقدر على الدخول في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع ومشكلاته لأن قوامها البساطة، أضف إلى أن، القصيدة المحكية محببة قريبة إلى القلوب، وهي أقدر على الوصول إلى الجميع بحكم كونها تحمل اللهجة التي يتحدثون بها يوميا ويعرفون جميع مفرداتها ومعانيها على خلاف الفصحى، وبالتالي أنا ألقي القصيدة المحكية أحيانا احتراما لهذا التراث واحتراما للمتلقي، أضف إلى أن القصيدة المحكية عندي تأتي بالفطرة وتكتب نفسها بنفسها دون عناء.
– يُقال أننا في عصر السرعة والوَجبات السريعة حتى على صعيد الآداب والفنون ولكن يقال أيضاً ان الرواية هي سيدة فنون الآداب في هذا العصر رغم أنها أكبر المنتجات الأدبية ، ما رأيك ؟ وهل أخذت الرواية مكانة الشعر ؟
لا يطغى نوع أدبي على آخر إلا بقدر ما يقدمه النص ذاته للإنسانية من فن وجمال ومحاكاة للهموم والمشكلات، ورؤى نقدية وأفكار خلاقة جديدة، وربما علاجية ووو…)
والرواية هي سيدة فنون الأدب لأن طبيعتها تحتمل تناول الكثير الكثير من الموضوعات وتفتح الآفاق على أسئلة كثيرة، إضافة إلى ما تحتاجه من فكر وثقافة ولغة وأسلوب وحبكة وهذا ما يميزها، ومع ذلك فقد تجد من الشعراء من يقول لك مجازاً (تبا للرواية) كما فعل الكاتب السوداني عمرو منيب دهب، ليدافع عن الشعر كونه يزاوله، مثلما يدافع الطبيب عن الطب، والمحامي عن المحاماة، والعكس صحيح.
أما القول بأن الرواية طغت على الشعر فهو بنظري غير دقيق، فالشعر هو الابن المدلل والذكي للأدب فهو قادر على تغيير نفسه والتجدد بما يتناسب وروح كل عصر، وهو قادر دائما على إيجاد سبل النفاذ إلى القلوب.
وكان لي تجربة يتيمة في كتابة الرواية في زمن الكورونا لم تكتب لها الطباعة حتى الآن لكنها تجربة ممتعة.
– عندما تكتبين قصيدة هل تراعين ألّا تكون طويلة تماشياً مع روح العصر؟
في كل عصر يظهر أنواع وتسميات تتناسب معه وتفرضها متغيرات عدة، ففي القرن الخامس، ق.م ظهر فن الأبيجرام اليوناني وهو نوعٌ من النصوص القصيرة ، وفي القرن العشرين، فقد نشر (طه حسين) كتابه (جنَّة الشوك) وهو عبارة عن نصوص وصفها بأنها (أبيجرامات)، وفي العصر العباسي قد ازدهر نوعٌ من الكتابة ينتمي لفن (الرسائل القصيرة)، أطلقوا عليها اسم (توقيعات)، وفي العام 1964 ظهر قصائد أطلق عليها صاحبها الشاعر عزالدين المناصرة اسم (توقيعات).
ولاحقاً، قدَّم تعريفاً لقصيدة (التوقيعة)، تناقله الباحثون. وقد انتشرت بعد ذلك (قصيدة التوقيعة) في الشعر العربي الحديث، من ذلك قصيدة نزار قباني /هوامش على دفتر النكسة/ وغير ذلك.
وبالتالي أنا عندما أكتب القصيدة لا أتعمد أن تكون طويلة أو قصيرة فالقصيدة تكتب نفسها، ولكن في النهاية أنا ابنة هذا العصر المسمى بعصر السرعة وبالتالي بطبيعة الحال قد اميل إلى الاختصار والتكثيف.
– من أجاد التعبير عن معاناة المرأة السورية خلال الحرب أكثر باعتقادكِ الشعراء أم الشاعرات؟
(( فالإبداع مشاع للجميع، والمتلقي عندما يستمع الشِّعر الحقيقي فإنه يستمتع بجماله، ويبحر مع حرفه، ويغوص في أعماقه.. فالإبداع إبداع سواء أكان كاتب القصيدة شاعراً أم شاعرة ))
كلاهما أجاد التعبير، إذ ليس من الضروري أن تكون المرأة هي الأقدر على التعبير عن معاناة المرأة، الأمر متعلق برؤية وأسلوب الشاعر فأنا لا أفرق بين أدب نسوي وأدب ذكوري، هناك نص جميل ونص غير جميل، وهو متعلق بتلقي كل مهما للموضوع وشعوره تجاهه ومن ثم تعاطيه معه وطريقته في التعبير عنه، نعم كان هناك أصوات نسائية برعت في التعبير عن معاناة المرأة في الحرب وغيرها كما كان هناك شعراء أجادوا في ذلك، فالأمر متوقف على النص لا على جنس الكاتب.
– من أثر بكِ من شعراء الماضي والحاضر وما العلامة الفارقة لدى كلٍّ مِن هؤلاء الشعراء الذين أثروا فيكِ؟
قراءاتي متعددة ومتنوعة جداً، وأنا أتأثر بكل ما أقرأ وليس فقط بما يتعلق منها بالأدب، حيث أقرأ الفكر والشعر كما أقرأ الفلسفة والفيزياء والهندسة وأشعر أن على الشاعر أن يقرأ شيء عن كل شيء
.
أدهشني المتنبي فكراً وحنكة ، وأخذت من نزار قباني (السهل الممتنع) وأغراني شعراء العصر العباسي بالتنوع والانفتاح على الثقافات فكتبت في كل شيء، وأخذت من النثريين التكثيف والاختصار ، ومن جبران شفافيته، وأحببت من أدونيس تفرّده، ومن أنسي الحاج فلسفته الخاصة، ومن جاسم الصحيح جمعه بين الفكر والأسلوب والصورة ، ومن تميم البرغوثي قدرته على الخوض في كل غمار، إلا أنني أقرأ لأنسى وأعيد ابتكار مزيج هذه القراءات بصيغة جديدة تحمل صبغة أحلام بناوي.
أحلام بناوي:
عضو اتحاد الكتاب العرب “جمعية الشعر”.
عضو مجلس إدارة جمعية الزجل في سورية.
المشاركات والتكريمات :
مشاركة في ديوان (جنوبية من أرض الجنوب) في لبنان 2018، ديوان (المرأة الإلهية ) في بلغراد 2018، ديوان (طروادة نون النسوة) في مصر 2017، ديوان (البردة) في العراق 2017، إعداد و تقديم و مشاركة في مهرجان (القدس) العالمي الشعري.
بالإضافة إلى مهرجان (ابو تمام) في مدينة (درعا) 2017/2019/2020، مهرجان (الشيخ صالح العلي) في مدينة طرطوس2017، مهرجان (سلطان باشا الأطرش) في مدينة (السويداء) 2017/2019، مهرجان (أوغاريت) في مدينة القرداحة 2018، مهرجانات مديرية الثقافة في كافة المدن السورية.
– عضو مجلس إدارة في معظم ملتقيات (دمشق) الثقافية منذ عام 2015- 2019
مؤلفاتها:
أربع مجموعات شعرية مطبوعة بالفصيح الموزون ( العامودي والتفعيلة) بعناوين:
– الحلم الأول.
– على نحاس الذاكرة.
– أحلام لم تكتمل.
– أسئلة السواقي.
– قيد الطبع : مجموعتان شعريتان بالعربية الفصحى وأخرى بـ ” المحكي ” و رواية.
اظهر المزيد

بنوك

كاتب صحقى وباحث سياسى فى الشئون الاقتصادية والسياسية وقضايا التعليم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى